الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

362

طريق الوصول إلى مهمات علم الأصول ( أصول الفقه بأسلوب حديث و آراء جديدة )

على التقليد بعد الموت فيجوز « 1 » . واستدلّ القائلون بالجواز بوجوه عمدتها السيرة المستمرّة للعقلاء على أنّ آراء الأموات المكتوبة في كتبهم كآراء الأحياء في جميع الفنون كاللغة والطبّ والرجال ونحوها ، وأمّا مهجوريّة بعض الآراء فلا ربط لها بالممات أو الحياة ، فإنّه كثيراً ما يترك بعض آراء الحيّ أيضاً في زمان حياته لظهور رأي أقوى منه ، وصيرورته مهجوراً بعد أن كان مقبولًا . واستدلّ القائلون بعدم الجواز بوجوه عمدتها الإجماع ، فقد نقل عن صاحب المسالك أنّه قال : صرّح الأصحاب باشتراط الحياة « 2 » ، وعن صاحب المعالم رحمه الله أنّه قال : العمل بفتاوي الموتى مخالف لما يظهر من اتفاق أصحابنا على المنع من الرجوع إلى فتوى الميّت « 3 » . ولا يخفى أنّ هذا الإجماع ليس مدركياً بل إنّه ضدّ المدرك ، لما مرّ من أنّ القائلين بجواز تقليد الميّت يستدلّون عليه ببناء العقلاء ؛ لأنّهم يعتبرون لجميع الكتب العلمية بعد الموت ما يعتبرونه في زمن الحياة ، فإنّ الفقهاء خالفوا هذا البناء بإجماعهم على عدم الجواز ، وهذا من الموارد الّتي يكون الإجماع فيها مخالفاً للقواعد ، فضلًا عن أن يكون مستنداً إليها ، فلا يبعد اعتباره بما هو إجماع وقد عرف الشيعة بهذه الفتوى في مقابل العامّة القائلين بوجوب تقليد أئمّتهم الأربعة بعد موتهم بقرون كثيرة . نعم ، حيث إنّ هذا الإجماع دليل لبّي لابدّ من الاكتفاء فيه بالقدر المتيقّن ، والقدر المتيقّن منه إنّما هو التقليد الابتدائي فحسب ، فهو رادع عن بناء العقلاء بالنسبة إلى خصوص الابتدائي ، وأمّا الاستمراري فحجّية بناء العقلاء فيه بلا مزاحم ، وحينئذٍ

--> ( 1 ) . انظر : العروة الوثقى ، ج 1 ، ص 16 ، المسألة 9 مع ما علّق عليها كثير من الأعلام المتأخّرين ( 2 ) . مسالك الأفهام ، ج 3 ، ص 109 ( 3 ) . معالم الدين ، ص 248